أسعار العملات

دولار / شيكل 3.29
دينار / شيكل 4.64
جنيه مصري / شيكل 0.21
ريال سعودي / شيكل 0.88
يورو / شيكل 3.92
حالة الطقس

القدس / فلسطين

الأحد 26.64 C

الزعفران في فرساي!

الزعفران في فرساي!

الزعفران في فرساي!

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

تغرق الفيللا القديمة بصمت في الشارع الأنيق على مسافة ليست بعيدة من قصر فرساي.

لا أحد يقف خارج المبنى موصد الأبواب، لكن حراس أول رئيس ايراني، بعد انتصار الثورة الإيرانية المغدورة على الشاه، أبو الحسن بني صدر، يستقبلون الزائر في المدخل.

بفرنسية أو إنجليزية، تصدح لكنة فارسية، يرحبون بالضيوف، ويطلبون بأدب جم، فحص الكاميرات وأجهزة التسجيل.
ظل بني صدر، منفيا في باريس حتى وفاته بالأمس عن 88 عاما.
وعلى مدى أربعة عقود واصل إصدار صحيفة" جمهوريت" وان على فترات متقطعة، آملا في حشد معارضي "نظام الملالي" العنوان غير الرسمي لحكومات اية الله خميني الذي كان بني صدر أبرز مرافقيه في رحلة (البوينغ707) من باريس الى طهران، وبداية حقبة، قادت إيران الى حرب السنوات الثماني مع العراق، ودخول
"الجمهورية الاسلامية" في معركة وصفت بانها، كسر عظام، مع الولايات المتحدة والغرب، تتلطخ، دوريا بموجة إعدامات تطول من كانوا بالأمس حلفاء "الإمام" صناع الثورة، التي فجروها في شوراع وساحات إيران، ليتربع
"الامام" على العرش، خلفا لرضا بهلوي، المطارد في عواصم العالم، ينزف من مرض السرطان، ولم يجد مأوى الا عند مصر أنور السادات.

تكتب فرح ديبا (بهلوي) في مذكراتها، أنها ترددت كثيرا في مرافقة الشاه، أثناء زيارته الشهيرة الى باريس، التي عاشت فيها أجمل سنوات حياتها الجامعية، ولقاء الرئيس شارل ديغول، لأن الناشطين المعارضين، يخرجون في تظاهرات احتجاج.
ولعل أبو الحسن بني صدر، كان أحد قادة أولئك النشطاء من المبتعثين الايرانيين، المناهضين للحكم الشاهنشاهي. وتظاهر مطلع ستينيات القرن الماضي أمام الإليزيه، منددا مع أقرانه المبتعثين بالزيارة.
يبدو أن ديغول، لاحظ مدى إحراج الملكة ديبا، التي كان الأديب الفرنسي اللامع اندريه مارلو ، وزير الثقافة، يرافقها،في بعثة الشرف فأسرف الجنرال في إطراء جمالها، والتغزل بفتنة عقلها وجرأتها، كما تقول.
والمفارقة، أن بني صدر وديبا، تشاطرا المنفى الفرنسي، بسبب آية الله خميني.

مع" استكانات" الشاي، المذهبة، الصغيرة، يدخل أحد المساعدين الى غرفة الاستقبال، بأثاث عتيق، أنيق، وتنسل معه رائحة طبيخ بالزعفران.
الأسرة تستعد للعشاء ربما، لكن الرئيس الهادئ، يتقدم بروية، نحونا مرحبا، بكلمة السلام عليكم المعجمة.
البيوت تشبه ساكنيها، ومنزل بني صدر في فرساي، ليس استثناء.
ولعل، مقبرة اليهود، الملاصقة للفيلا الكئيبة مباشرة، تضفي على سكن الرئيس المعارض حتى الممات، صورة اكثر قتامة، تشعرك، بثقل الأرواح،التي هلكت في محارق النازيين، وفي زنازين آيات الله.

الرئيس بني صدر، وجه بشوش، لا تفارقه وسامة، الإنتجلنسيا الإيرانية التي اختارت، مقاومة نظام الشاه البهلوي، حتى بعد أن أطلق "العنان للثورة البيضاء"، مفضلين الملالي الملتحين، على طاووس الشاهنشاهية.
ربما أدرك الراحل بني صدر، بعد أسابيع من تسلم السلطة على حطام عرش الشاه، أن إيران دخلت في مأزق، وان عليه تصحيح المسار، وأخذ زمام المبادرة من آية الله خميني.
بيد أن الأمام الذي أفتى بعدم تسلم رجال الدين، مناصب حكومية، أبقى كل عتلات قيادة الدولة، بيده، حتى حين دخل المشفى لعلاج قلبه المنهك الضعيف. فكان يتدخل في إدارة الحكومة والرئاسة.
لم تعجب الإمام، قيادة بني صدر للحرب مع العراق، وتكالب عليه المعممون، ولم يأبهوا لتاريخ أسرة بني صدر المتدينة، العريقة. فتحركوا لإسقاطه بعد نحو عام من فوزه الساحق في أول انتخابات رئاسية، هندستها فتاوى آيات الله، وأطرها دستور "الجمهورية الاسلامية" بما يرضي ولي الفقيه.
يتحدث بني صدر بهدوء، ويستمع بتلذذ وانتباه الى أسئلتنا باللغة العربية، ولم يطلب في المرتين من اللقاء به، وآخرها لمناسبة مرور أربعة عقود على الثورة، اسئلة معدة مسبقا.
في المرة الاولى أجاب، بفرنسية فارسية، في المرة الثانية، آثرنا أن نستعين بمترجم عن الفارسية، نستمع الى الرئيس الذي لا تبدو عليه، آثار مرض، باستثناء علامات الشيخوخة الطبيعية في الحركة المتعثرة، وتلكؤ خفيف، في النطق.
قبل التسجيل، حدثنا عن قصة هروبه من إيران، وقد اتضح بعدها، ان الملالي كانوا طلبوا رأسه، وليس اعتقاله، وأمروا بقتله، لولا أنه علم بالخطة، فاختفى لستة أسابيع،
وفي العاشر من تموز / يوليو 1981 حلق شاربيه، وتنكر بالزي الرسمي للقوات الجوية الإيرانية وصعد الى متن بوينغ 707 يقودها طيار برتبة عقيد اسمه بهزاد موعضي، حلقت في مسار قريب من الحدود التركية قبل أن تدخل بحركة مباغتة المجال الجوي التركي. وأسقط بيد الرادارات الايرانية.
طار أبو الحسن بني الصدر من تركيا رفقة مسعود رجوي، زعيم "مجاهدي خلق"، طليق كريمة بني صدر، فيروزة، الذي قضى قبل بضع سنوات من رحيل رفيقه في الصراع مع نظام آيات الله ومات الاثنان وفي قلبهما غصة من فشل الثورة التي اعتقدا، أنها ستفتح أمام الشعوب الإيرانية، مغاليق الحداثة، والعصرية، والديمقراطية،مع ظلال إسلامية، آمن بها بني صدر، دارس الشريعة، في همدان وطهران، قبل دراسة المالية والاقتصاد في فرنسا.
اختار بني صدر، التمرد على طغيان البهلوية، فوقع في ظلم الأمامية.

اقرأ أيضا