ما حكم دفع الزكاة الى غير مصارفها التي حددها الشرع، حدد الشرع الجهات التي تصرف لها الزكاة وتطلق الصدقة على أي عمل صالح يفعله الإنسان وبخصوص جهات مصاريف الزكاة فقد تم حصرها بثمانية أصناف.
تعريف الزكاة لغة إنّ للزَّكاة تَعريفاتٍ عدَّة في اللغة والاصطلاح، إذ تُطلقُ لغةً على مَعانٍ مُختلفة؛ منها النَّماء، والزِّيادة، والطَّهارة؛ لأنها تُطهِّر مُخرجها من الآثام، كما يُطلق على الزكاة لفظُ صَدَقة؛ لأنها تدُلُّ على صِدق المُسلم في عبوديّته وطاعته لله -تعالى-، وتُطلق أيضاً على البَركة، والمَدح، والصَّلاح، وتَتمثل هذه المعاني اللُّغوية في الآية الكريمة: (خُذ مِن أَموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكّيهِم بِها)، فالزَّكاة تُطهِّرُ صَاحبها من الآثام والشُحِّ، وتُبارك في مَاله وأَجرِه.
وفي الاصطلاح تُعرَّف الزَّكاة على: أَنها القَدر المَخصُوص الواجب على المُسلم إِخراجه من مَالِه البالغِ للنِّصاب للجِهات المُستحقَّة وبشروطٍ معيَّنة. ونَجد للفُقهاء تعريفات عدِّة للزَّكاة.
ومِن خلال المُرور على مُختلف التعريفات، نجد أنَّها تشتركُ في اعتبار الزَّكاة تمليكاً للمالِ الذي بلغ النِّصاب؛ أي أنَّ المَال لا يُعود مِلكاً لصاحبه بعد إخراجه من حَوزته بل يدخُل في مِلك المُؤدَّى لهُ الزَّكاة، ولفظُ "مُستحقِّ الزَّكاة" يُؤكِّد استحقاقَ المُزكَّى له لهذا المَال.
والمقصود بالمُستحِقّ: أيِّ الجهات الثَمانية المُستحقة للزَّكاة والتي حدَّدها القرآن الكريم في قوله -تعالى-: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَساكينِ وَالعامِلينَ عَلَيها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمينَ وَفي سَبيلِ اللَّـهِ وَابنِ السَّبيلِ فَريضَةً مِنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَليمٌ حَكيمٌ).
وحتى تَجبَ الزَّكاة على المسلم لابدَّ من توافر شروطٍ مخصوصةٍ للزَّكاة ذكرها الفقهاء بالتفصيل، فإن تَحقّقت هذه الشروط وجبَ على المسلم عندها إخراج الزَّكاة.
[news1]
تُعدُّ الزَّكاة رُكناً من أركان الإسلام الخَمسة، وتحت شروطٍ معينة تُصبح فرض عَينٍ على المسلم، ويجب على من تحقّقت فيه شروط وجوب الزّكاة إخراجُها على الفَور بدون تَأخير.
وقد ثَبتت فَرضيتها بالقُرآن والسُّنة والإجمَاع، وبناءً على ذلك لا يُعذر الجَهل بها، ومن أدلة ثُبوتها في القرآن الكريم الآية التي تم ذكرها آنفاً، ومنَ السُّنة النَّبوية؛ وصِّية النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- لمُعاذ بن جبل عندما أَرسله إلى اليمن، وقال له: (أعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ وتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ).
وقد فُرضَت الزَّكاة مُبكّراً في السَّنة الثانية للِهجرة، وهو ذات الوَقت الذي فُرض فيه الصِّيام، على أنَّ هناك خلافٌ أيُّهما فُرِضَ أولاً. وأمَّا فٍيما يَتعلَّقُ بِمكان افتِراض الزَّكاة هل كان بمكة أم بالمدينة؟ فأكثر أقوالِ أهلِ العلم تدلّ على أنَّ الزَّكاة فُرِضت بمكَّة، أمَّا تَقدير الأنصبة والأموال الزَّكوية ومُستحقِّي الزَّكاة فَنزل في المَدينة.
[news2]
قدَّر الله -سبحانه وتعالى- بِحكمَته وعَدله أقداراً مُتفاوتةً لعباده، ومن هذا التّفاوت كان اختلافُهم في الأرزاق والمَعايش، ولكنَّه -سُبحانه وتعالى- جَعل لِلأقل رِزقاً حَقاً في مَال الأَوسع رِزقاً، يقدِّمُه للفَقير كَحقٍ له لا كَصدقةً وتُطوُّع؛ إذ يَقول الله -تعالى-: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).
فبذلك تَعمل الزَّكاة كَنظامٍ ذو أبعادٍ اجتماعيةٍ واقتصاديَّةٍ تضمَن التكافُل بين أفراد المُجتمع باختلاف طَبقاتهم، وتنبُع أهمِّية الزَّكاة وقُدرتها على حلِّ تلك الفُروقات من شُموليَّتها لمُعظم أفراد المُجتمع، ومن مِقدارها الكَبير؛ حيث أنها تُمثِّل 2.5% من مَجموع الأموال، وهي نسبة تضمَن تَحقيق التكافُل والقضاء على الفقر إن تمَّ تَطبيقها بنَجاح.
كَما أنَّ في الزَّكاة مَنافع للمُزكِّي نفسه؛ إذ لا تقتَصرُ فوائد الزَّكاة على الفقراء، بل تَعودُ بالنَّفع على ذَاتِ المُزكّي ومَاله؛ تُطهّر صَاحبها مِن الآثامِ والذنُوب في الآخِرة، ومِن البُخل، والشُحِّ، والطَّمع في الدُنيا.
ومن خلالها يُهذِّبُ الله -سُبحانه وتعالى- غريزة التَّملُك في الإنسان من خلال إرغَامِه على إخراج المَال الذي فُطِر على حُبِّه طواعيةً وعبوديَّةً لله -سُبحانه وتعالى-، وتُنمِّي الزَّكاة مَال المُزكِّي وتُبارك فيه وتَحميه من الآفَّات، وتُنمِّي أيضاً الإيمان في قلب صَاحبها، وهي سَببٌ لدُخول مؤدِّيها الجنَّة والنَّجاة من النَّار.
وتمُثِّل الزَّكاة نِظاماً وقائيَّاً يَعمل على مَنع العديد من المَشاكل في المجتمع؛ فمثلاً تَمنعُ الزَّكاة العَديد من الجَرائم المُتعلَّقة بالسَّرقات، والنَّهب، والسَّطو؛ وذلك لأنَّها تُطهِّر نَفس الفقير من الحِقد والغلِّ على المجتمع، خاصةً بعد وصول حقِّه من مال الغَني.
[news3]
كما تَحدُّ الزَّكاة من التَّضخُم الهائل في الثَرَوات، والذي قَد يُؤدي إلى احتكار الأموال لدى فئةٍ معينةٍ من المُجتمع؛ مما يُؤدي إلى بَسطِ سَيطَرتها ونفوذِها على المجتمع بأكمله كي تزيد من ثَرواتها دون النَّظر لمصالح بقيِّة الأطراف في المُجتمع، وهذه الحِكمة العَظيمة أشار لها الله -سُبحانه وتعالى- في قولُه: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ).