شرح نص الصراع والبعث، هي رائعة من روائع توفيق الحكيم وتمثل هذه المسرحية الصراع بين الفن والحياة فهي تعتبر مسرحية فلسفية ويشتهر مسرح توفيق الحكيم بأنه مسرح للخيال العلمي كمسرحية: لوعرف الشباب _ الطعام لكل فم وغيرها. وايضا كان للكاتب الايرلندي جورج برنارد شو الحائز علي جائزة نوبل مسرحية تحمل نفس الاسم فقد كانت الاسطورة الاغريقية الشهيرة مصدر إلهام للعديد من الكتاب والمؤلفين .
كيف عالجَ توفيق الحكيم العديد من التساؤلات الفلسفية؟ إنّ مسرحية بجماليون من أهم الأعمال المسرحية التي كتبها توفيق الحكيم متأثِّرًا بلوحة شاهدها في متحف اللوفر في باريس، ولم يلبث أن يذكّرهُ بها فيما بعد فيلمٌ شاهدهُ في القاهرة عن "بجماليون" للكاتب الشهير جورج برنارد شو، إذ كانت تلك الأسطورة التي كتبها برنارد شو من أهم القضايا التي تشغل توفيق الحكيم لكونه أديبًا يشغله الفن وعلاقاتهُ مع القضايا الأخرى، فكان من القضايا التي دارت حولها مسرحيّته التي كتبها فيما بعد هي المحاور الآتية:
إنّ الصراع الذي عاشتْهُ شخصية البطل "بجماليون" صنَعتْ العديد من المواجهات التي يفرضها السياق حسب اختلاف وتعدد أنواع الصراعات المطروحة في المسرحية وتشابكها، ويمكن القول إنّ ذلك لم يكن إلا إسقاطًا لحيرة الكاتب الفنان، وذلك ما يمكن تفصيلُه فيما يأتي:
إن هذه الدلالة هي ما يفرضه الصراع بين إلهة الحب والحياة "فينوس" والتي كان يناجيها بجماليون لكي تمنح تمثالهُ الحياةَ، وبين إله الفنّ المتمثل بـ "أبولون"، إذ إن الفن لا يستطيع أن يمنح الحياة حسب ما تقتضيه قدرة كل منهما وفق الأسطورة، ولكن بجماليون أراد أن ينالَ اتّفاقًا بين الآلهتين من خلال دمج الحياة بالفن، والعيش مع التمثال على أنه زوجته، فأراد أن يستجيب لرغبته لا لرغبة الآلهة، ولم يكن يعلم ماذا يخبئ له القدر خلف قرارهِ ذاك، وأنه لن يتمكن من العودة إلى نقطة البداية التي انطلق منها إلى عالم الفن، كما أنّه يُصاب باضطراب الإيمان بقدرة الآلهة على إسعاده.
هذا النسق الدلالي يكشف عن عجز بجماليون عن مواجهة القوى الميتافيزيقية المتمثلة بالآلهة التي يدعوها، وذلك بإصرارهِ على أن عمله كان أفضل مما صنعتْهُ الآلهة بهذا التمثال الذي غدا من الحُمقِ بمكان، وأنّ فنَّهُ كان من الممكنِ أن يبقى خارجًا عن حدود الواقع المقيت الذي لم يستطع أن يتحمّل آثامهُ، فيندم على استعانته بالآلهة في هذا المضمار، ويتهدّم ما كان يمثل لهُ كل شيء.
من جهةٍ أخرى إنَّ الصراع بين "فينوس" و"أبولون" يمثل عدم الانسجام ما بين الحب والحياة وبين الفن، مما أدى إلى الكثير من الاضطراب والدمار الذي طال نابليون من الداخل، وجعلهُ في عراك مع الحقيقة وشبهها، بل مع الحقيقة وحقيتها من خلال ذاته، إلى أن حطّمَ تمثالَهُ وأودى بحياته دون أن يصل إلى النتيجة التي يرجوها سوى أنه ربما استسلم في النهاية لرأي "نرسيس"، وهو أن واقع لا بد أن يكون بمعزل عن الفن إذا أراد الفن الاستمرار في كونهِ أداةً للأمل ورمزًا للمطلق، بالإضافة إلى الغاية الأيديولوجية من المسرحية بشكل كُلي، وهي أن الصراع لا يصنع إلا الدمار والموت.
إنّ هذا المحور الدلالي الذي يفرضهُ وجود "جلاتيا" وماهيّتها التي صوّرها صانعها، ووجود "بجماليون" بكينونته الحيّة والواقعية، مما أنشأ الصراع القائم بين الكينونية والماهية، وأكسبَ المسرحية -بالإضافة إلى بقية المحاور التي دارت حولها- هذا البُعد الفلسفي، وإن كانَ ما طلبه بجماليون من الآلهة مختلفًا عمّا أرادهُ فيما بعد إلا أنّ الصراع ينشأ من حيرتهِ وتردده بين هذا وذاك، فهو في البداية يريدها أن تترك أصلها الهيولي لتتحول إلى الكينونة الحيّة، ليُرضي رغبته الباطنية التي تبحث عن الحقيقي عوضًا عن الخيالي، إلا أنه يقع فيما بعد في العجز الملطق أمام فهم ذاته وإرضائها، بل أمام إشباع ذات الفنان المتأصّلة داخلهُ.
حين فقدَ بجماليون كل أملٍ في أن ينالَ ما يرضيهِ من حيث حياة جلاتيا أو موتها، وبكونها رمزًا أو أثرًا محطّمًا، كان الموتُ حليفَهُ، لأنه فقد الحياة ذات المعنى، وفقد الاحتمالات التي كانت تعطيه الدافع ليقوم بالإبداع والتشكيل، فهنا يتجسد فقد الماهيّة وتترسخ الكينونة التي تفرض نفسها في البداية، فيظن القارئ أن الفنان سوف يستسلم للحياة الواقعية التي تنتمي إلى النمط الفارغ من الفنّ الخلّاق، إلى أن يفقد بجماليون حياته تحت وطأة ذلك الصراع.
يعبر عن هذا النسق رغبة نرسيس في اختطاف جلاتيا واستجابتها له بالفعل، وخلوتهما في الغابة قرب غدير النهر، بعد أن وقعتْ بين يدي اضطراب "بجماليون" وحيرتهِ التي لم تكن تفهم أسبابها، إذ إنّها أدركت أنها لم تعد تخطفُ قلبهُ كما كان الأمر في البداية، وهذا ما جعل "بجماليون" شديدَ الحنقِ على الآلهة التي صنعتْ له من تحفتهِ الفنية فتاةً حمقاء تذهبُ مع فتى أحمق وترتكب الخيانة في حق زوجها وعاشقها، بل إنّ الصراع الذي يطرحهُ السياق هنا هو السقوط من الفضيلة إلى الخطيئة في نفسِ بجماليون الذي لم يتخيل يومًا أن جلاتيا التي رسمها بيديه بأبدع ما يمكن سوف تنحدرُ إلى ما يفعله الإنسان من خطايا وآثام.
ثمَّ إنّ نرسيس لطالما كان حارسًا لتمثال جلاتيا وأمينًا وصديقًا وفيّا لبجماليون، لا سيما أن بجماليون هو الذي وجدهُ طفلًا رضيعًا في الغابة فربّاهُ واعتنى به، فكانت خيانته لصديقه الوفي صدمة صارخة في نفس بجماليون، بالإضافة إلى انهدام مثالية جلاتيا وانهيار مكانتها في قلبهِ، إذ كانت تلك الخطيئة هي الحد الفاصل بين تحول ذهن بجماليون من عالم المثال إلى الواقع، وهنا يكمن صراع القيمة الذي يكشف عن أعماق الشخصيات الفاعلة، وطبيعة العلاقات الإنسانية وخصائصها.
توفيق الحكيم هو كاتب وروائي مصري مشهور. وُلد في العام 1898 في قرية البرلس بمحافظة كفر الشيخ في مصر، وتوفي في العام 1987 في القاهرة. يُعتبر الحكيم واحدًا من أبرز كتّاب الرواية في الأدب العربي المعاصر.
تتميز روايات توفيق الحكيم بالتعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية في مصر والعالم العربي. وقد استخدم أسلوبًا أدبيًا يجمع بين الواقعية والرمزية في كتاباته. من أشهر رواياته "الأيام" التي تناولت حكاية أسرة مصرية عبر فترة طويلة من التاريخ، واعتبرت هذه الرواية من أهم الروايات العربية الحديثة.
توفيق الحكيم لم يكن مجرد روائي، بل كان أيضًا ناقدًا أدبيًا ومسرحيًا، وقد كتب العديد من المسرحيات التي نالت شهرة واسعة. من بين مسرحياته الشهيرة "ريا وسكينة" و"أفسانة الحب الأبدي".
تأثر الحكيم بالتيارات الفكرية والسياسية المختلفة في مصر والعالم العربي، وكان ناشطًا في السياسة والحياة العامة. شارك في الحركة الوطنية المصرية ونضالها من أجل الاستقلال، وكتب العديد من المقالات والمؤلفات السياسية.
توفيق الحكيم ترك إرثًا ثقافيًا هامًا في المشهد الأدبي العربي، ورواياته ومسرحياته ما زالت تحظى بشعبية كبيرة حتى يومنا هذا.